الثلاثاء 13 نوفمبر 2018 الموافق 05 ربيع الأول 1440
منى صفوان
منى صفوان

ماذا بعد مقتل صالح في اليمن ؟

الخميس 01/فبراير/2018 - 04:51 م
طباعة

مرحلة فاصلة في تاريخ ومسار اليمن والمنطقة برمتها بمقتل الرئيس السابق  "علي عبد الله صالح " الرجل  الذي تحالف مع الحوثيين وسهل سيطرتهم على الدولة،  قبل ان  يقلب الطاولة عليهم بعد ذلك، ليشكل  رأس حربه في مواجهته الاخيرة معهم.

 فبعد ثلاثة أعوام  من حرب التحالف العربي على الحوثيين في اليمن، لم تستطع قوات الشرعية احراز أي تقدم في مناطق الشمال التي تسيطر عليها جماعة الحوثي، وأخفقت في اقتحام العاصمة صنعاء، وهنا يأتي الحديث عن أهمية العنصر القبلي .

 

القبيلة والحوثي

 فتقدم الحوثيين باتجاه العاصمة باقتحام المدن الشمالية والاستيلاء عليها، منذ العام 2012 وحتى الاستيلاء على صنعاء في 2014 كان بدعم وغطاء قبلي، كون جماعة الحوثي بحسب التركيبة الاجتماعية لاتنتمي لاي قبيلة فهي من طبقة "الهاشميين" ، وبذلك هي تحتاج الى سلاح القبيلة  ورجالها، ودعمها الشعبي، وهذا الدعم القبلي وفره " عبد الله  صالح"  فهو ابن القبيلة ورجلها الذي انفق عليها طيلة مدة حكمه والى ما قبل مقتله "40 عاما" فكسب ولاء القبيلة في اليمن، وهو ما ثبت حكمه، ولم يسلم السلطة الا بعد انفضاض القبيلة عنه في 2011 مع "الثورة الشبابية السلمية" بانشقاق الجيش، فتركيبة الجيش اليمني تسند على ابناء القبائل "الشمالية" ، فقواعد الجيش هي من ابناء القبائل التي عينها صالح في مختلف مرافق المؤسسة العسكرية، وهذه هي المعادلة التي اعتمد عليها صالح في انقلابه على جماعة الحوثي.

 

 هكذا رفد صالح الحوثيين بالدعم القبلي والعسكري، فالقبيلة هي سر القوة وسر الضعف، غير ان القبائل اليمنية برجماتية ومع من غلب، وهذا يفسر تقلبات صالح في تحالفاته لانه ابن القبيله ، ويمتاز صالح عن اقرانه  بدهائه ومكره وهو ما جعله يمسك بكل رؤوس القبائل في اليمن، او رؤوس الثعابين التي وصف نفسه بانه الراقص على رؤوس الثعابين، ولعله كان الادهى في تاريخ اليمن والاطول حكما، والوحيد الذي اعاد وحدتها ، وهو الامر الذي حدث مرة واحدة في التاريخ اليمني القديم والمعاصر  مع تحقق الوحدة اليمنية 1990

 

 

ظهور دولة علي عبد الله صالح

 

فجأة وبعد 7 سنوات من الثورة عليه والحرب، ظهرت  دولة علي صالح ، واعلنت سيطرتها على صنعاء ودحر الحوثيين في 2 ديسمبر 2017

 حدث تاريخي غير مسار الاحداث بالكامل، خاصة مع اندحار الحوثيين في الساعات الاولى، واستغلال قوات صالح لعنصر المفاجأة، وكان معه  الزخم والمزاج الشعبي الذي سئم من الحوثيين، ومن فسادهم وتجبرهم، وايد تحرك صالح ضد الحوثيين، لان التحرك ضدهم كان يمثل الامل الاخير لليمنيين للتخلص من حكم مليشيا دينية- طائفية ومن حرب اقليمية، ومن مأساة وكارثة انسانية.

ولكن في الليل قلبت المعادلة لصالح الحوثيين، مع تقدم ارتال الدعم العسكري من صعده باتجاه صنعاء، والى تلك اللحظة وما بعدها كانت قوات التحالف العربي خارج المشهد العسكري، فلم يكن هناك اسناد جوي لتحرك "علي صالح" على الارض، ولم يتم قطع الامداد العسكري للحوثي المتقدم باتجاه صنعاء، ولم تشن غارات للتحالف  العربي، وكانت الاهداف التي ركزت عليها غارات التحالف وقتها غير مؤثرة في مسار الاحداث، حيث بقى الطيران الحربي يشن غارات جوية متفرقة لكنها غير مؤثرة ولم تكسر شوكة الحوثيين ولا خطة تقدمهم.

 في الصباح كانت صنعاء مع المواجهات الاعنف في تاريخها، فلم تشهد العاصمة اليمنية على مدى تاريخها هذا الاشتباك الحربي الدامي في الجزء الجنوبي منها، حيث قصفت قوات الحوثيين بالمدافع والدبابات الاحياء السكنية، وتوحشت في هجومها، واستخدمت كل قوتها لقلب المعادلة لصالحها في ساعات.

بقيت قوات صالح تقاتل وحيدة، وبدأت القبائل اليمنية تشعر بغلبة كفة الحوثي، فتخلت عنه، وترك الجدار الامني الامامي بلا حماية مما ساهم في تقدم الحوثيين اكثر باتجاه المربعات التي يسطر عليها صالح ومنها منزله الشخصي.

الى ذلك الحين ومازال التحالف العربي بترسانتة العسكرية الضخمة خارج المعادلة، ويبدو ان الرهان السعودي تحديدا كان يستند على فكرة "الاستنزاف" بأن يستنزف كلا الطرفين الاخر ويدخل الشمال كله في دوامة دم متبادلة بين الطرفين، فينهك كل منهما الاخر "الحوثي وصالح" وتستفيد السعودية بالتخلص من الخصمين، فهي لا تريد الحوثي ولكنها ايضا لاتميل الى صالح.

هذا الرهان السعودي ان صح، فقد كان اكبر الكوارث والاخطاء التي اترتكب خلال  الحرب في اليمن.فاستخدام القوة المفرطة من قبل الحوثيين، لم تقابل بقوة مماثلة

في هذه اللحظة ومشهد  خروج صالح وحيدا دون حماية من مربعه الامني باتجاه قريته ، وقنصه في الطريق وقتله ، يؤكد على ان الرجل الذي تحالف مع الامارات  والسعودية ترك وحيدا في معركته، وشكل قتله صدمه للامارات والسعودية، اربكت موقعهما وموقفهما، واربكت قوات الشرعية، والجيش الوطني، والمقاومة الشعبية.

 الكل كان يراهن على قوات صالح في حسم المعركة في الشمال وخاصة صنعاء، للتقدم بعدها في الجبهات الاخرى في تعز، والغرب، ولكن لم يحدث لان الاسناد البري والجوي لم يتحقق بالدرجة المطلوبة.

 

صواريخ الحوثي

لابد من ان صاروخ الحوثي الباليسيتي باتجاه الرياض الشهر الماضي قد شكل منعطفا خطيرا في مسار الازمة، وهو ما اجبر السعودية على التعاون واعادة تحالفها مع حليفها القديم " علي عبد الله صالح" الذي انقلب عليها وتحالف مع الحوثيين ضدها.

 فقد ظهر من بعد اطلاق الصاروخ باتجاه مطار الملك خالد في الرياض، انه يجب وقف هذا التهديد الحوثي باي ثمن، وان هذا لن يحدث الا بالاشتباك على الارض، والاشتباك على الارض لايعني التدخل البري من قوات التحالف بقد ما يعني وجود حليف يمني قوي يواجه قوة الحوثي، ولايوجد في الشمال من هو اقوى من "صالح" الذي كان الورقة الاخيرة للتحالف العربي في مواجهة الحوثي، بعد ان استنفذ كل ما لديه.

الان وبعد مقتل صالح، اطبق الحوثيون سيطرتهم الامنية والعسكرية والسياسية والاعلامية، لم يعد هناك شريك في المقابل، او معادلة سياسية تقتضي وجود توازن قوى في الشمال.

 

توازن الرعب

اليمن القبلي المسلح كان عبر تاريخه يتعتمد على توازن الرعب وهو المبدا الذي غذاه  صالح خلال فترة حكمه، بحيث لاتوجد قوة وحيدة تسيطر على الارض في اي من مناطق اليمن، وتكون كل قوة تخاف من الاخرى، ولكن هذا التوازن كسر، بفرض السيطرة الوحيدة لجماعة واحدة فقط " الحوثي" دون شريك قبلي او سياسي او عسكري، الكل خرج من المعادلة، واصبح الحوثي المدعوم من ايران وحده في السيطرة وفي المواجهة ايضا

هذا يدخل اليمن في الفوضى بلا شك، لكنه ايضا يثبت التهديد الحوثي على المنطقة ويجعله امرا واقع ، فلم يعد هناك اليوم ما يردع الحوثي او يلجم تهوره، فما كان يهدد به بضرب الرياض وابو ظبي قد نراه غدا امرا واقعا، وقد تتكرر تجربه صاروخ الرياض، وهذا يعني ان السعودية الان في خطر حقيقي، والامن القومي الخليجي والامن العربي، لان الامر لايتعلق بجماعة يمنية محلية تملك سلاحا، الامر متعلق بالهيمنة والسيطرة الايرانية في مواجهة السعودية، ويمكن القول ان السعودية ايضا فقدت توازن الرعب فيما يخص ايران

 وكما خسرت امامها في العراق، سوريا ولبنان، فقد خسرت اليمن ايضا، بخسارة اخر اوراقها ضد الحوثي "قوات صالح"، فلم يعد لهذه القوة الان وجود على الارض تهاوت خلال ساعات من مقتل زعيمها، وخرج القبائل من المعادلة واعلنوا الحياد.

اليمن سلم بشكل ما الى ايران، على الاقل الجزء الشمالي، حيث العاصمة الثقل السياسي، والشريط الساحلي الغربي وميناء الحديدة، وباب المندب، الموقع الاستراتيجي الهام لليمن يقع اليوم تحت سيطرة الحوثيين

 

 حين طلبنا ان تعيش ..مات صالح

" نحن شباب ثورة فبراير 2011 نبكيك اليوم يا علي عبد الله صالح" بهذه الكلمات عبر الشباب المستقل الذي شكل نواة الثورة الشبابية ضد نظام حكمه عن حالة المزاج الشعبي والراي العام اليمني الذي بكى مقتل صالح في هذا الظرف القاسي من عمر اليمن

فصالح الذي مكن الحوثيين واشعل الحرب، كان هو الامل الاخير لانهاء كل هذه الماساة وعودة الاستقرار الذي يحلم به اليمنيون، فقد عاش حين كان اليمنيون يتمنون موته وهو يشعل الحروب شمالا وجنوبا ويغذي الصراع والفساد، ومات حين تمنى اليمنيون ان يعيش ويواجه الحوثيين، وينهي الحرب.

الشارع اليمني اليوم متوجس، حالة الاعتقالات من قبل جماعة الحوثي في صفوف مناصريه، تشل اي حركة ضد الحوثيين، الى جانب ارباك في صفوف قوات الشرعية والرئيس عبد ربه هادي والذي نعى صالح

هادي الذي ظهر متاثرا لمقتل صالح، يعلم انه الان عليه حسم المعركة لكن ليس لديه الادوات الكافية وقد وجه دعوة لليمنيين للاصطفاف الوطني ضد الحوثي، في حين ان نجل صالح " العميد احمد علي عبد الله صالح" المقيم في الامارات هو الخليف لوالده في قيادة المؤتمر والحرس الجمهوري، وبالتالي التحالف الجديد بين قوات الشرعية وهادي وقوات "احمد صالح" قد يكون هو الامل الجديد في مواجهة الحوثيين وحليفهم الايراني، غير ان هذه المواجهة يقتضي الامر ان لاتكون رد فعل لايعمل له حساب، ولاتجري دراسته اولا، وبحث اسباب انهزام صالح، وتداركها، حتى لا تتكرر

الثابت الان على الارض ان ماساة اليمن وجرحه الغائر اصبحت شان عربي ومهمة عربية والتزام عربي، ولايجب ان يترك اليمن وحيدا، هناك ماساة حقيقية في اليمن، ومرحلة غامضة ومخيفة وتداعيات خطيرة تعصف بالمنطقة برمتها. 

 

 

 

 

ads
ads
ads
adsads