الإثنين 17 ديسمبر 2018 الموافق 10 ربيع الثاني 1440
محمد الباز
محمد الباز

المؤسس.. البحث عن مفاتيح الشيخ زايد

الإثنين 03/ديسمبر/2018 - 02:47 م
طباعة
كان عظيمًا جدًا يبنى فى الحجر والبشر.. ولم يكن يعرف الغطرسة أو التكبر
عمل على تطوير كل شىء وبدأ بالتعليم والصحة وأنهى عقودًا من العداء المستحكم مع الجيران
استخدم النفط كسلاح فى مواجهة تدفق السلاح عبر الجسر الأمريكى إلى إسرائيل أثناء حرب أكتوبر

على كثرة الذين كتبوا عن الشيخ زايد آل نهيان فى الشرق والغرب، إلا أن ما كتبه «كلود موريس» صاحب كتاب «صقر العرب»، يظل هو الشاهد على سر هذا الرجل، الذى يبقى دليلًا حيًا على الحكمة المتجددة. 
يقول كلود: «دهشت دائمًا من الجموع التى تحتشد دومًا حول الشيخ زايد وتحيطه باحترام واهتمام، وقد شق الينابيع لزيادة المياه لرى البساتين، وكان الشيخ زايد يجسد القوة مع مواطنيه من عرب البادية، فكان يشاركهم حفر الآبار وإنشاء المبانى وتحسين مياه الأفلاج والجلوس معهم ومشاركتهم الكاملة فى معيشتهم وفى بساطتهم». 
يضع كلود يده على المفتاح الأول من مفاتيح شخصية الشيخ زايد، فهو بالنسبة له- وهو ما يتبدى لنا أيضًا- رجل ديمقراطى لا يعرف الغطرسة أو التكبر، وهو ما يقودنا إلى المفتاح الثانى، وهو شخصية القائد المؤهل لتحمل مسئوليات القيادة الضرورية. 
قد يكون فيما قاله كلود كلامًا تقليديًا، يصلح لأن نصف به كثيرين ممن ساقتهم الأقدار ليتحملوا مسئوليات بلادهم، لكن هناك ملمحًا آخر، لا نستطيع أن نفلته من بين أيدينا، ونحن نتحدث عن المؤسس الأول لكيان قوى ومؤثر، هو دولة الإمارات العربية. 
لقد كان الشيخ زايد صاحب خيال جامح، هذا الخيال الذى جعله ينظر إلى نفسه باعتباره شخصية تستحق الخلود، فعمل على تحقيق ذلك ببراعة شديدة، ونظر إلى بلده على أنه يستحق أن يكون فى صدارة الأمم صاحبة التأثير، ليس السياسى فقط فيمن حوله، ولكن ذاك التأثير العام الذى يجعل منه رقمًا صعبًا فى معادلة دولية صعبة ومعقدة وعصية على الفهم فى كثير من الأحيان. 
مسيرة الشيخ زايد الذى استقبلته الدنيا فى ١٩١٨، أى قبل مائة عام من الآن، ترشدنا إلى أسراره التى لا تزال تتكشف لنا حتى الآن، فيمكن أن نقول إنه كان بنّاءً عظيمًا جدًا، والميزة التى اختص بها أنه لم يكن يبنى فى الحجر فقط، ولكن فى البشر أيضًا، فلا قيمة للبنيان الشاهق، دون أن يكون هناك بناء شاهق للإنسان ينمّيه ويطوّره ويجعله شاهدًا على العبقرية الإنسانية. 
يقولون إن الولد سر أبيه، عندما كان الشيخ زايد فى الرابعة من عمره، وكنا وصلنا إلى العام ١٩٢٢، تولى والده الشيخ سلطان بن زايد آل نهيان زمام الأمور، واستطاع خلال فترة حكمه تحسين علاقاته بدول الجوار، وتعزيز مكانته بين مواطنيه. 
ما الذى رآه الشيخ زايد خلال فترة حكم أبيه التى لم تطل؟ 
كان يواظب على حضور مجلس والده الحاكم الذى يستقبل فيه المواطنين ويستمع إلى همومهم ويشاركهم معاناتهم، وبعد أن ينفض المجلس كان زايد الصغير يحاصر والده بالأسئلة، ولا يتنازل عن حقه فى الاستماع إلى الإجابة عنها. 
هل يمكن أن نقول إن الوعى الكبير تفتح منذ ذلك الوقت؟.. هل يمكن أن نقول إن الشخصية المنفتحة المتطلعة الطموحة القادرة على القيادة بدأت فى التشكل من هذا المجلس؟ 
لن نفارق الواقع إذا قلنا ذلك. 
لقد خاض بعد ذلك سنوات من التعليم والعمل والتدريب على الحكم، حتى جاءت به أقداره ليتولى مسئولية إمارة العين، كان ذلك فى العام ١٩٤٦. 
كان الواقع صعبًا والتحدى عسيرًا، لكن لمثل هذه الصعاب خُلق أمثال الشيخ زايد، وجد أمامه إمكانيات ضئيلة، ندرة الماء والمال تقف حجر عثرة أمام أى محاولة للبناء والتطوير، لكنه لم يستسلم، سنوات قليلة بذل فيها جهدًا ووقتًا وعرقًا، ولأنه أدرك أنه فى حاجة إلى من يعينونه على ما يريد، فقد افتتح أول مدرسة بالعين أطلق عليها اسم المدرسة «النهيانية»، ليتعلم فيها أولاد الإمارة ما يجعلهم عونًا له. 
ثم بدأت الحياة تتشكل، فقد أنشأ هناك أول سوق تجارية وشبكة طرق ومستشفى كبير، وكان أن جعل مصدر الحياة فى متناول الجميع، فقد أصدر أمره بإعادة النظر فى ملكية المياه وجعلها على ندرتها متوافرة للجميع، وسخرها لزيادة المساحات الزراعية. 
نظر الشيخ زايد فى داخله، فأدرك أنه فى حاجة لأن يعرف أكثر، ولذلك لن يتعجب أحد من هذا الحاكم الذى بدأ مسيرة البناء فى إمارته أن يقرر السفر خارج حدود المكان، فيخرج فى العام ١٩٥٣ فى رحلة حول العالم، فيزور بريطانيا والولايات المتحدة وسويسرا ولبنان والعراق ومصر وسوريا والهند وباكستان وفرنسا. 
لم تكن الرحلة خارج حدود المكان هى الرحلة الوحيدة التى قام بها الشيخ زايد، فقد قام برحلة أخرى خارج حدود الزمان، حيث قرأ كل ما وقع تحت يديه، وكانت نتيجة الرحلة أن أدرك مدى الحاجة لتطوير الحياة فى الإمارات، فبلده يستحق أن يلحق بركب الدول التى زارها، ويستحق أكثر أن تكون له مكانته فى التاريخ الذى قرأه وتعلم منه. 
فى العام ١٩٦٢ كان الشيخ شخبوط يباشر حكم إمارة أبوظبى، ولأن العين لم تكن بعيدة، فقد رأى التطور الذى لحق بها على يد الشيخ زايد، فقرر أن يستعين به لإدارة إمارته، وهو ما حدث، وعلى مدار أربع سنوات من ٦٢ إلى ٦٦ بدأ الشيخ زايد من خلال معاونته الشيخ شخبوط فى تطوير الحياة فى أبوظبى بشكل كامل، كان لديه برنامج تنموى متكامل، فنفذه فى ظل حالة من الحفاوة الشديدة، وكان طبيعيًا بعد ذلك أن يتولى مقاليد الحكم فى الإمارة الكبيرة، وهو ما جرى فى ٦ أغسطس من العام ١٩٦٦. 
هل يمكن أن نعتبر هذا التاريخ بداية جديدة فى حياة الإمارات؟ 
كان هذا حقيقيًا جدًا، فقد بدأ الحاكم الطموح مسيرة التطوير فى كل مكان يقابله، بدأ بتطوير التعليم والخدمات الصحية والإسكان الشعبى، وأنهى عقودًا من العداء المستحكم مع الجيران.. وكان طبيعيًا بعد ذلك، ولمعرفته أنه لا دولة حديثة دون مؤسسات، أن يبدأ فى بناء مؤسسات الدولة من نظام إدارى ودوائر حكومية. 
ولأن عينيه كانتا على المستقبل دائمًا، فقد أتاح الشيخ زايد فرصة التعليم لآلاف الطلبة من أبناء الإمارات، وحرص على أن يكون ذلك فى أكبر وأفضل الجامعات فى العالم، وأعتقد أن هؤلاء الآن هم الذين يحملون الدولة على أكتافهم. 
النقلة الكبرى جاءت فى العام ١٩٦٨، وقتها أعلنت إنجلترا نيتها الجلاء عن الإمارات، وحددت ١٩٧١ تاريخًا لذلك، فقرر الشيخ زايد قبل هذا الجلاء تأسيس كيان سياسى موحد للإمارات، فبدأ رحلة مكوكية ليجمع الكل من حوله، فاتفق على تنسيق الأمن والدفاع والخارجية والخدمات الصحية والتعليمية وتوحيد الجوازات بين دبى وأبوظبى، وفى العام ١٩٦٩ اُنتخب رئيسًا للاتحاد التساعى الذى ضم الإمارات السبع وقطر والبحرين، وبانسحاب الأخيرتين تم الإعلان عن قيام دولة الإمارات العربية المتحدة فى ٢ ديسمبر ١٩٧١ بست إمارات، انضمت لها رأس الخيمة بعد ذلك فى ١٠ فبراير ١٩٧٢. 
وقد يسأل البعض عن سياسة دولة الإمارات الآن، وكيف لها أن تلعب دورًا متوازنًا ليس فى المنطقة العربية فقط، ولكن فى العالم كله؟ 
وهو سؤال تأتى الإجابة عنه من قراءة السياسة العامة التى وضع بذورها الشيخ زايد من البداية، وهى سياسة تقوم على الحكمة والاعتدال والتوازن ومناصرة الحق وتغليب لغة الحوار والتفاهم فى معالجة كل القضايا، والسلام الذى يجب أن يعم العالم كله، ليس من أجل الاستقرار والتنمية، ولكن لأن السلام حاجة من حاجات الإنسان، بل هو حق من حقوقه لا يجب التنازل عنه أبدًا. 
سياسة التفاهم التى غرسها الشيخ زايد لم تمنعه من أن يؤسس دولة تقوم على سياسة الاستقلال التام، فهو بما لديه من كاريزما وشخصية قيادية رفض تمامًا أن يكون تابعًا لأى قوة فى العالم مهما كان تأثيرها وتزايد سطوتها. 
يكفينا هنا أن نشير إلى مواقفه المتعاقبة من الولايات المتحدة الأمريكية. 
فى ١٧ ديسمبر ١٩٩١ كانت الإمارات واحدة من الدول التى صوتت ضد إلغاء قرار الأمم المتحدة رقم ٢٢٧٩ الذى كان يقضى بأن الصهيونية شكل من أشكال العنصرية، رغم ما بذلته الولايات المتحدة من جهد دولى للتصويت لصالح إلغاء القرار. 
وفى العام ١٩٩٧ رفضت الإمارات المشاركة فى المؤتمر الاقتصادى لتنمية الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، الذى عقد فى الدوحة، رغم أن الولايات المتحدة الأمريكية كانت هى الراعية لهذا المؤتمر والداعية الحقيقية له. 
ولأن الشيخ زايد كان يدرك تمامًا حقيقة موقف الولايات المتحدة الأمريكية من القضية الفلسطينية، ودعمها اللا متناهى لإسرائيل، فقد كان موقفه ثابتًا من خلال دعوته أمريكا إلى القيام بدور الوسيط النزيه فى مفاوضات السلام، وأن تكف عن الكيل بمكيالين فى محاربة الإرهاب الدولى فيما يخص الصهيونية ضد الفلسطينيين. 
لم يكن هذا الموقف جديدًا على الشيخ زايد الذى أخذ موقفًا رجوليًا تمامًا أثناء حرب أكتوبر. 
فقد كان هو نفسه، ولا أحد غيره، أول من استخدم النفط كسلاح فى مواجهة تدفق السلاح عبر الجسر الأمريكى إلى إسرائيل، فقد رأى الشيخ زايد أن سير المعركة يتجه لمصلحة العدو، فقرر بفروسية أن يغيّر الاتجاه تمامًا. 
كان قراره هو إيفاد وزير بتروله إلى مؤتمر وزراء البترول العرب، لبحث استخدام البترول فى المعركة، وصدر القرار بخفض الإنتاج إلى ٥٪ كل شهر، لكن ذلك لم يكن كافيًا، فأصدر أوامره إلى وزير بتروله أن يعلن فى الاجتماع الوزارى باسمه قطع البترول فورًا ونهائيًا عن الدول التى تساند إسرائيل، وهو ما كان عاملًا مساعدًا فى تغيير دفة المعركة التى لم يكن يعتبرها مجرد معركة تحرير فقط، بل كانت بالنسبة له معركة شرف ودفاع عن الأرض والعِرض العربى. 
كانت المواجهة العالمية مشتعلة، ووجد الشيخ زايد صحفيًا أجنبيًا يسأله بصراحة: ألا تخاف على عرشك من الدول الكبرى؟ 
فجاءت الإجابة أكثر صراحة، حيث قال: إن أكثر شىء يخاف عليه الإنسان هو روحه، وأنا لا أخاف على حياتى، وسأضحى بكل شىء فى سبيل القضية العربية. 
وحتى تتضح الصورة أكثر، ليس أمام هذا الصحفى الأجنبى، ولكن أمام الجميع قال: أنا رجل مؤمن والمؤمن لا يخاف إلا الله. 
لم تكن هذه الكلمات وحدها هى الكلمات الخالدة فى سجل الشيخ زايد، فلا بد أن تذكره عندما قال «إن النفط العربى ليس أغلى من الدم العربى».. وهى كلمة خالدة لأنها تجلت فى كل ما فعله خلال حياته، فلم تكن كلمة إنشائية أدبية برع فى صياغتها، ولكنها كانت فلسفة وسياسة عامة عكست فكره وحياته وجهاده من أجل الإنسان الذى بذل من أجله الكثير داخل الإمارات وخارجها. 
لقد أضاف أبناء زايد من بعده الكثير إلى أفكاره وفلسفاته وسياساته، بما جعلهم يعيشون فى ضمير الإنسانية، وكان ذلك كله لهم من إلهام المؤسس الأول، الذى قرر أن يعمل من أجل الحياة، ولذلك لم يكن غريبًا أن يبقى، وأن يظل شاهدًا على قيمة أن يعمل الإنسان من أجل الإنسانية جمعاء، وليس من أجل نفسه فقط.
ads
ads