الأحد 21 أكتوبر 2018 الموافق 12 صفر 1440

روائع سينمائية لم تشاهدها من قبل(6)

نرمين يُسر
نرمين يُسر

فيلم "ثمانية ونصف".. رائعة فيلليني في السينما الذاتية

الجمعة 10/أغسطس/2018 - 11:51 م
طباعة

اشتهر المخرج الإيطالي فيدريكو فيلليني بتقديم السينما الذاتية وتصوير مشاهد مقتبسة من حياته وواقعه؛ فكما صرّح تجاه هذا الشأن أنه عندما يُريد المرء أن يروي قصة حياة شخص "فلماذا لا يروي عن نفسه؟"، هكذا تساءل وقام بهذا بالفعل، بالطبع تمتلىء حياة فلليني الصاخبة بالكثير من الحكايات والقصص التي تستحق أن تُروي فى فيلم، من هذا المنطلق كتب وأخرج مشاهد مُتعددة من حياته الشخصية، والتي تمثّلت في أفلام لا سترادا/الطريق 1954 ودولس فيتا/ الحياة الحلوة 1960، وغيرها من الأفلام التي سبقت تحفته الفنية التي تحمل عنوان 81/2 ثمانية ونصف.

       

يعود إطلاق هذا الاسم على فيلم فيلليني لعدد أفلامه السابقة وهي سبعة أفلام، إلى جانب إخراجه لفيلم قصير اعتبره النصف، ليصير اسم الفيلم "ثمانية ونصف"، وهي تسمية ليس لها علاقة بأحداث الفيلم أو الموضوع الذي يدور حوله، أو ربما كان يفكر في إتمام الفيلم التاسع، ولكن الأزمة النفسية التي كان يمر بها حالت دون إتمام الفيلم الثامن، فأطلق عليه "ثمانية ونصف" أي الفيلم ذو الفكرة غير المكتملة؛ على كل، إنه فيدريكو فلليني، هو بدوره فيلسوف سينمائي بدون منافس.


ينتمي الفيلم إلى نوعية الدراما والفانتازيا، فيدور حول أزمة تعتيم الإحساس الفني الذي يواجهه الكُتّاب والفنانين في مراحل متفرقة من حياتهم. مرّ فيلليني بهذه الأزمة التي واجه فيها عقل وإحساس سطحي كصفحة بيضاء لا يستطيع أن يخط عليها قلم، تاهت أفكاره وخططه، فقرر أن يصنع فيلمًا صار فيما بعد هو أروع أفلامه، صنعه من اللاشئ، إذ يُعالج من خلاله صعوبة إيجاد الفكرة، والأصعب هو طريقة تقديمها وعرضها على الجمهور بغرض الاقتناع بها. يواجه جيدو/ مارتشيلو مارسلاني هذه المشكلة من محاولة إيجاد أفكار إبداعية، ويعتبر جيدو مرآة تعكس شخصية فلليني عندما كان يمر بهذه المرحلة، فقد لعب مارسلاني دور المخرج المشهور الذي بصدد إخراج فيلم جديد ويمر بفترة التجهيزات والإعداد لهذا الفيلم، تواجه جيدو مشكلات عائلية مع زوجته وأخرى مع صديقته الغاضبة، إلى جانب عجزه في الوصول إلى فكرة الفيلم الذي ينتظره الجميع عدا هو نفسه، يصاب جيدو بحالة نفسية سيئة تدفعه إلى الهروب والغرق في الخيالات واستدعاء الذكريات.فيقول فلليني عن فيلمه إنه مزيج من زيارة مرتبكة لطبيب نفسي ووعي مضطرب يسيطر على المخرج في موقع التصوير.


يبدأ الفيلم بكابوس مريع، إذ يري جيدو أنه يُعاني من الاختناق داخل سيارته المتوقفة وسط زحام سيارات أخرى، ومن ثم ينطلق طائرًا يحلق في السماء، حتى يأتي رجلان من جهة الشاطئ للإمساك به، وربط حبل حول قدمه ليبدو كأنه مثل الطائرة الورقية، وفجأة يسقط في البحر ثم يستيقظ ليجد نفسه على فراشه الواقع في واحدة من مصحات إعادة التأهيل النفسي؛ بداية جذابة، من شأنها أن تجعل المتلقي متأهب ومشدود للأحداث التالية من الفيلم، والتي تبدأ بفشل جويدو في إيجاد فكرة فيلمه الجديد، فيحول هذه الاحاسيس إلى سيناريو، ولكن تنتابه الهواجس والشكوك لدرجة مرعبة من عدم ثقته في حقيقة الأشياء والأشخاص من حوله، هل المنتج شخص حقيقي ووالدته المتوفية التي تظهر له وتحكي عن والده المتوفي بدوره بالإضافة إلى ظهور شخصيات قديمة قابلها في حياته وانتهت وفي خضم هذه الصراعات النفسية يبدأ تصوير الفيلم.

        

شارك في كتابة السيناريو للفيلم مع المخرج ثلاثة كتاب، هم: توليو بينيللي واينيو فليانو و برونيللو روندي، وادار تصويره جياني دي فينانزو وموسيقى نينو روتا، ركّز السيناريو على فكرة "الملاذ" في محاولات جيدو أن يهرب من ضغوط البحث عن فكرة فيلمه المنتظر، فيلجأ إلى العنصر الرئيسي في معظم آليات الهروب والمتشكل في النساء، حيث يستدعي جميع النساء اللواتي قابلهن في حياته من أمه، وزوجته، ومعلمات المدرسة، والصديقات، والعشيقات السابقات، حتى الخادمات؛ لتقوم كل منهن بإيقاظ ذكرى وشعور يُمثّل مرحلة ما في حياته، فيُصاب بالهلع من تزاحم وتوافد خيالات النساء في حياته، ولكنه يتخذهن ملاذًا لينجو من اكتئاب سببه البحث المستمر عن الفكرة الإبداعية المنتظرة.


بما أن فيلليني ولد في بلدة ريميني المعزولة، فقد وجد غايته في حضور ومتابعة عروض السيرك وممثلين المسرحيات الهزلية تلك التي أثّرت بشكل واضح في أفلامه التي حملت طابع هزلي يشوبه الحزن في عدة مشاهد من هذه الأفلام، وبالطبع في فيلم "ثمانية ونصف" الذي امتلأ بمشاهد الحزن والحنين المغلفة بطبقة من السخرية تتوغل في عمق المشاعر الإنسانية، وكأنه يعبر بالمتلقي رحلة مع الذات. في شكل أخّاذ وجذاب. يحملنا فيلليني للتجول بين ذكرياته عن طريق بعض الاستعراضات الهيستيرية، خاصة في مشهد الاحتفال الخيالي ببدء التصوير، والرقصة الفانتازية حول السفينة الضخمة التي تنقل الناجين من كوكب الأرض إلى كوكب آخر بعد الحرب النووية التي قضت علي من فيها، بالإضافة إلى الحركات الانفعالية للممثلين وجويدو نفسه والتي تعبر عن صراعات البطل النفسية بين الرفض والقبول والدهشة والايمان بالوصول إلى فكرة يستطيع من خلالها أن يستعيد ثقته بنفسه ويعيد لجمهوره مثلها..عندما شعر فيلليني بانعدام أفكاره الإبداعية صنع فيلمًا عن مرحلة كئيبة انعدمت فيها أفكاره تلك 


 
ads
ads
ads
adsads