الأحد 19 أغسطس 2018 الموافق 08 ذو الحجة 1439

روائع سينمائية لم تشاهدها من قبل(5)

نرمين يُسر
نرمين يُسر

الزائرة.. قصة مخرجة تبحث عن ذاتها

الخميس 02/أغسطس/2018 - 04:14 م
طباعة


يتخبط الانسان في مواجهة ذاته لتحديد الطريق الذي يجب عليه ان يسلكه، ربما يستطيع الغوص في اعماق نفسه واكتشاف خبايا مجهولة او ان يتعرف علىى نفسه من خلال الاخر وعند هذه النقطة تحديدا تبدأ التساؤلات حول موضوع فيلم الزائرة، من هى الزائرة، واي الاماكن سوف تقوم بزيارتها، وماهوالغرض من الزيارة؟ هل هناك من ينتظرها؟


 تخطر على عقل المشاهد هذه الاسئلة جميعها ككتلة واحدة منطقية يثيرها عنوان الفيلم الالماني الهولندي "الزائرة" للمخرجة كاترين شروتر التى تفاجىء جمهورها بانها نفسها الممثلة الوحيدة الحقيقية فى الاحداث وغيرها من الشخصيات انما هم اشخاص عشوائين تلتقي بهم على مدار ثمانون دقيقة هى مدة الفيلم الذى يبدأ بتنويه جاد ان هذا الفيلم لا يشارك فيه ممثلون وانما جميعها مشاهد طبيعية عدا المخرجة كاترين شروتر.


تدور الاحداث حول شخصية صامتة لا تتحدث بل تكتفي بالاشارة وبعض الايماءات التوضيحية للتأكيد او النفي حيث جسدتها المخرجة نفسها، بجسد متين البنية لا يليق بامرأة على الرغم من جمال وجهها وبراءة تعبيراته الهادئة، تجوب كاترين طرقات وشوارع ثلاث مدن مختلفة لا تربطهم صلة الا انتقال الكاميرا من خلالهم بدون ترتيب، تنتقل من شنغهاي الى ساوباولو ثم قرية فى بنجلاديش، مدن بعيدة ومختلفة، مستعرضة هذه الاختلافات الثقافية والحضارية والفروق الجوهرية فى طريقة استقبال كل مجموعة منهم بالفتاة الشقراء الغريبة التى تتوقف امام المحال والبيوت محدقة فى الاشخاص والاماكن بهدف تكوين اكبر قدر من المعرفة عن طريق التطفل على حياة من تزورهم، ثم مع الوقت يتقبلها اخرون وباستمرارها فى تحقيق رغبة معرفة الاخر، حتى تتحول الى صديقة تشارك ابطال العمل البسطاء حياتهم وهمومهم، لن تقدم لهم حلول لبعض القصص المأساوية ولكنها تشارك بصمت فى محاولة لفهم الاخر، تجدها تصادق فتاة بنغالية صغيرة وتأكل معها وتستمع الى شكواها من فقدها لنقود والدها الذى كان يعدها لدفع مصاريف دراسة الفتاة فتتبادل كاترين والفتاة احذيتهن فى اشارة الى رغبة كاترين فى ان تشعر بتبادل الادوار وفى مشهد يثير الضحك تتجه كاترين للجلوس على مقعد حلاق رجالي فقير، يرحب الرجل بها مع التفاف جموع الشباب عند بوابة المحل لرؤية الشقراء الجريئة في تجربة تنظيف بشرتها على الطريقة البنغالية العنيفة التى لا تخلو من صفعات مفاجئة اثناء تدليك الحلاق لجبهتها، ارادت تجربة كل مايفعه الاشخاص المحيطين بها، فى شنغهاي تنام كاترين الليل فى سيارة تاكسي ملك احد المحبطين الذى ماتت زوجته وتزوجت ابنته فصار وحيدا بلا منزل، يجوب الشوارع نهار ثم ينام داخل سيارته ليلا، تلعب الورق مع اسرة صينية ثم يتلمسونها وكأنها كائن ابيض فضائي ذو عينان واسعتان لم يعتاد الصينيون على رؤيتها بينهم، تأكل مايقدم لها بدون اسئلة او حتي كلمة شكر.


الرابط بين هذه القصص هى قصة اساسية تبدأها بالاداء الصوتى/voice over  حيث تعرض مشكلتها الوجودية فى انها لا تعرف نفسها كي تتعرف على الاخر فتقرر مراقبة هذا الاخر للوصول الى نفسها من خلاله، تتعرف على  كريستين الفتاة الصينية الطموحة التى تسير كالجندي بين منزلها ومحطة القطار وحضور دروس اللغة الفرنسية اذ تتبعها كاترين اينما ذهبت، استخدمت المخرجة قصة كريستين للدلالة على تطورات معرفة كاترين بنفسها وشعورها بالاخر فمن التدرج فى علاقتهما-كريستين وكاترين- نستطيع بمنتهى السهولة الربط بين تطور علاقة كاترين بالاشخاص العشوائيين التى تقابلهم يوميا والتغيرات الت طرأت على شخصيتها.


يعد الفيلم تجربةعبقرية اقرب الى الديكودراما حيث جمعت المخرجة عدة مشاهد من جهات متفرقة يجمعهم لحظات صمت طويلة لا يكسرها الا اهتزاز الكاميرا فى اوقات عديدة تشير الى اضطراب الموقف الملتبس، من حيث دهشة الاشخاص بقدومها اليهم بدون سبب او اضطرابها لحظة ما تبدأ الشرح بالاشارة لما تريده بدون استخدام جمل حوارية  فيتجلى الاداء الرائع للمخرجة التي قدمت دور الحائرة التي تبحث عن نفسها بصمت المتصوفين.
ads
ads
ads
adsads