السبت 22 سبتمبر 2018 الموافق 12 محرم 1440

"روسينوفو" الروسية.. جنة المكفوفين أم محبسهم (صور)

الخميس 12/يوليه/2018 - 11:52 م
الأمصار
ميرنا عادل
طباعة

ظلت البلدة الروسية الصغيرة روسينوفو، حتى عام 1948، قرية عادية تتبع مقاطعة كالوجا، مائة كيلو متر جنوب غرب موسكو، إلا أن بعد الحرب العالمية الثانية، بدأت فكرة إنشاء مدينة للمكفوفين وضعاف النظر، تتوفر فيها كافة التسهيلات الخاصة بهم، تظهر على السطح.


وفي الوقت ذاته، أنشأت المدينة عام 1948، مصنعا يستطيع فيه المكفوفون من المناطق المجاورة العمل وتصنيع بعض المنتجات البسيطة، ثم أنشأت الجمعية الروسية للمكفوفين، مبنى جديدا مجهزا انتقل إليه المصنع، وبدأ في عام 1976 ينتج بعض اللوحات الخاصة بأجهزة التلفزيون، المعروفة باسم "روبين".


وبدأ عدد المكفوفون في الزيادة، بسبب الحاجة إلى كوادر، حيث أنشأت الجمعية الروسية للمكفوفين أربعة مبان سكنية، جاء إليها المكفوفون من جميع أنحاء البلاد للعمل، وأصبح عدد العاملين في المصنع نحو 1200 عامل، نصفهم من المكفوفين، كما باتت تسكن في المدينة أيضا بعض العائلات من المبصرين، ولكن بنسبة أقل.


وتوجد على مداخل المدينة، لافتات عليها شخص بنظارات سوداء، كنوع من التحذير للسائقين بوجود نسبة كبيرة من المكفوفين في المدينة، وكذلك تحظى المدينة بإشارات مرور صوتية، ودرابزين بطول 3 كم، وكثير من التجهيزات الخاصة بالمكفوفين، بحيث تؤمن احتياجاتهم اليومية وتظهر في شكل "جنة المكفوفين".


لكن أحقا هل يبدو الأمر فعلا بمثل هذا الجمال؟!، فعلى الجانب الآخر، لا يريد المكفوفون في روسيا العزلة، حتى وإن منحتهم موسكو، بلدة صغيرة صمّمت خصيصا وفق حاجاتهم، إلا أن جلّ ما يرغبون فيه هو اعتراف المجتمع بهم والاندماج معهم، وعدم الانزواء في مدينة خاصة بهم، لأنهم يحتاجون مساعدات يعتمدون فيها على المجتمع والدولة، كما أنهم في حاجة ماسة للشعور بزخم الحياة في المدن الكبيرة.


فروسينوفو، بلدة صغيرة فيها شارع واحد فقط، بني فيها مصنع يصنع قطعاً للتلفزيونات، وكانت أجور العاملين فيه جيدة جدا، إلا أنه بعد تفكّك الاتحاد السوفيتي في عام 1991، فقد المصنع قدرته التنافسية في ظل انتقال روسيا إلى نظام اقتصاد السوق، وإلغاء إعفاء مصانع اتحاد المكفوفين من الضرائب.


 ويقول رئيس اتحاد المكفوفين في منطقة بوروفسكي التي تتبع لها روسينوفو، ألكسندر راكوفيتش، إنه لم يعد يعمل في المصنع إلّا 50 من أصل 190 كفيفاً يقيمون في القرية، ويتقاضى هؤلاء أجوراً زهيدة تتراوح ما بين 100 و150 دولاراً، بالإضافة إلى راتب آخر خاص بالإعاقة، وتتراوح قيمته ما بين 250 و300 دولار.


وأضاف راكوفيتش، أن المصنع ينتج الورق المقوّى، في ما يصنع المكفوفون المقصّات الطبية وألعاب الطاولة، وقطعاً لأجهزة الراديو وغيرها، وعملهم لا يحقّق أرباحاً، فتُستخدم إيرادات إنتاج الورق المقوى لتغطية الخسائر.


وتابع راكوفيتش، أنه خلال عهد الاتحاد السوفييتي، كان يعمل في المصنع أكثر من ألف شخص، وقد جاء 600 مكفوف من مختلف أنحاء البلاد، مشيرا إلى أن الوضع تدهور خلال تسعينيات القرن الماضي، حيث توقفت أعمال البناء وساء وضع الطرقات ما جعل المكفوفين معرضين للسقوط، مؤكدا أنّه في ظلّ تردي الأوضاع الاقتصادية ومنظومة الرعاية الاجتماعية للمكفوفين، يتجه الكثير منهم للبحث عن فرص أفضل في سوق العمل، من خلال تعلّم مهن أخرى على غرار "التدليك"، كذلك يمكن للكفيف أن يعمل في مصانع خاصة بصنع الأدوات المكتبية ومراكز خدمة العملاء.


تقدر الإحصائيات عدد المكفوفين في روسيا، بنحو مليون 214 ألفاً، منهم مسجّلون في "اتحاد عموم روسيا للمكفوفين"، الذي يهتم بدمجهم في سوق العمل والتعليم والنشاطات الرياضية، ويضمهم لمراكز متخصصة للتأهيل والتدريب.


غدت تجربة بلدة روسينوفو، ناجحة خلال العهد السوفييتي، إلا أنه مازال الحلم الأكبر للمكفوفين هو اعتراف المجتمع بهم والاندماج معهم، والتخلّص من العزلة.


في حين أن الإنسان السليم يحصل على 90% من معلوماته من خلال نظره، لذا فالإنسان الضرير يجد الأمر أكثر صعوبة للحصول على نفس المعلومات، فلا يستطيع قراءة الكتب العادية، ولا العمل في نفس المنشآت الصناعية التي يعمل بها المبصرون، وتصبح جميع أنشطته مرتبطة بحواس أخرى، تكتسب أهمية كبيرة لكونها تعوّضه عن فقدانه البصر، لكن ربما أن ما يحتاجه الضرير قبل تلك الحواس، هو الدفء الذي يوفره له أخوه الإنسان، معاونة المجتمع، ورعاية الدولة له.







ads
ads
ads
adsads